النويري
20
نهاية الأرب في فنون الأدب
لا يسعد أحد إلا باتّباعها ، ولا يشقى إلا بالعدول عنها ؛ وأن ينصر اللَّه تعالى بيده وقلبه ولسانه ، فإنه جلّ اسمه قد تكفّل بنصر من نصره وإعزاز من أعزّه ؛ وأمره أن يكسر نفسه عند الشهوات ويزعها [ 1 ] عند الجمحات ، فإن النفس لأمّارة بالسوء . ثم اعلم يا مالك أنى قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور ، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمر الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم . وإنما يستدلّ على الصالحين بما يجرى اللَّه لهم على ألسن عباده . فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح . فاملك هواك وشحّ بنفسك عما لا يحلّ لك ؛ فإن الشّحّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحبّت [ أ ] وكرهت . وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة والمحبّة لهم ؛ والطف بهم ، ولا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم [ 2 ] ؛ فإنهم صنفان : إما أخ في الدّين ، وإما نظير لك في الخلق ، يفرط منهم الزّلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ؛ فأعطهم من صفحك وعفوك مثل الذي تحبّ أن يعطيك اللَّه من عفوه وصفحه ، فإنّك فوقهم ، ووالى الأمر عليك فوقك ؛ واللَّه فوق من ولَّاك ؛ وقد استكفاك أمرهم [ 3 ] وابتلاك [ بهم ] . فلا تنصبنّ نفسك لحرب اللَّه ، فإنه لا قوّة لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته . ولا تندمنّ على عفو ، ولا تبجحنّ [ 4 ] بعقوبة ، ولا تسرعنّ إلى بادرة وجدت منها مندوحة ، ولا تقولنّ : إني مؤمّر امر فأطاع ، فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدّين وتقرّب من الغير . فإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة ، فانظر إلى عظم ملك اللَّه تعالى فوقك وقدرته [ منك ] على ما لا تقدر عليه من نفسك [ 5 ] ، فإن ذلك يطامن إليك من
--> [ 1 ] كذا في نهج البلاغة وفى الأصل : « وينزعها . . . » . [ 2 ] كذا في نهج البلاغة وفى الأصل : « وتغتنم أكلها » . [ 3 ] كذا في نهج البلاغة وفى الأصل : « استكفاك أمره » . [ 4 ] بجح : كفرح لفظا ومعنى . [ 5 ] في الأصل : « . . . وقدرته على ما لا يقدر عليك من نفسه » ولعل فيه تحريفا جعله غير واضح ، وما وضعناه عن نهج البلاغة .